أما بعد:
أيها المسلمون: أوصيكم وإياي بتقوى الله عز وجل، وأدعوكم إلى معرفة نعمة من نعم الله تعالى عينا، وهي نعمة الوقت في حياتنا ووجوب إستغلالها في الخير والطاعة .
فقد اعتنى الإسلام بيان أهمية الوقت في
حياتنا، فقد قال الله تعالى ممتنا علينا:
وسخر لكم الشمس والقمر
دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا
تحصوها
.
وأقسم الله تعالى في مطالع سور عديدة
من القرآن بأجزاء من الوقت كالليل والنهار والفجر والضحى والعصر فقال تعالى:
والليل إذا يغشى
والنهار إذا تجلى
،
والفجر وليال عشر
،
والعصر
إن الإنسان لفي خسر
.
وإذا أقسم الله تعالى بشيء من خلقه فإنه بذلك يلفت أنظارنا إليه وينبهنا على جليل
منفعته وآثاره .
All time is valuable and accounted for. The most important is the time of "shabaab" - between the foolishness of youth and the inability of old age.
وجاءت السنة النبوية تؤكد قيمة الوقت
وتقرر مسؤولية الإنسان عنه أمام الله يوم القيامة، فعن معاذ بن جبل
أن النبي
قال:
((لن تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال:
عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله..)). وهكذا يسأل الإنسان
عن عمره عامة، وعن شبابه خاصة، والشباب جزء من العمر، ولكن له قيمة متميزة باعتباره
سن الحيوية الدافقة، والعزيمة الماضية، ومرحلة القوة بين صنفين : صنف الطفولة وصنف
الشيخوخة:
الله الذي خلقكم
من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة
.
All the obligations and rituals of Islam point to the importance of time.
وجاءت شعائر الإسلام وفرائضه وآدابه تثبت هذا المعنى الكبير، وهو قيمة الوقت والاهتمام بكل مرحلة منه وكل جزء وتوقظ في الإنسان الوعي والانتباه: فحين ينصدع الليل ويسفر نقابه عن وجه الفجر يقوم داعي الله يملأ الآفاق ويصدع بالأذان والدعوة إلى الفلاح: (حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم) فتجيبه الألسنة الذاكرة والقلوب الشاكرة والأيدي المتوضئة الطاهرة قائلة : صدقت وبررت، وعندئذ تحل كل عقدة كان عقدها الشيطان على قافية رأس كل إنسان عندما ينام، كما جاء في الحديث الصحيح.
ويتكرر النداء عندما يقوم قائم الظهيرة، وعندما يصير ظل كل شيء مثله في العصر، وعندما يغيب الشفق، وقبله حين يختفي قرص الشمس عند الغروب، وفي كل أسبوع يوم جمع ، وفي كل شهر هلال ينبزغ، ويستقبله المسلم بالتكبير والدعاء والمناجاة .
When time passes, it never returns.
ذاك كله يذكر الإنسان بقيمة الوقت ويوقظ فيه الإحساس بأهمية الزمن، فإن هذا الزمن إذا مضى لا يعود، وسرعان ما يمضي وينقضي، وما أحسن ما قاله الحسن البصري يرحمه الله، في قوله البليغ: ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي : يا بن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
وكم يتمنى الناس وكم يتلهف الشيوخ على الشباب وأيامه :
ألا ليت الشبــاب يعود يومـا فأخبره بمــا فعل المشيب
وما المرء إلا راكب ظهر عمره على سفر يغنيه باليوم والشهر
يبيت ويضحي كل يوم وليــلة بعيدا عن الدنيا قريبا إلى القبر
ومن جهل قيمة الوقت الآن، فسيأتي عليه حين من الدهر يعرف فيه قدره وتفاسته وقيمة العمل فيه، ولكن بعد فوات الأوان.
وفي هذا يذكر الله تعالى موقفين للإنسان يندم فيهما على ضياع وقته حيث لا ينفع الندم:-
أولهما: ساعة الاحتضار، حين
يستدبر الإنسان الدنيا ويستقبل الآخرة ويتمنى لو منح مهلة من الزمن ليصلح ما أفسد
ويتدارك ما فات:
يا أيها
الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم
الخاسرون
وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت
فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين
.
ويكون الجواب على هذه الأمنية:
ولن يؤخر الله نفسا إذا
جاء أجلها والله خبير بما تعملون
.
ثانيهما: في الآخرة، حيث توفى
كل نفس ما عملت وتجزى بما كسبت، ويدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، هنالك
يتمنى أهل النار لو يعودون مرة أخرى على الحياة ليبدؤوا من جديد عملا صالحا.
والذين كفروا لهم نار جهنم
لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها
ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر
وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير
.
وإذا عرفنا ذلك يا معشر المسلمين، فلنحرص على الاستفادة الكاملة من الوقت، فإن إضاعة الوقت علامة من علامات المقت، وما أحسن ما قاله الحسن البصري: أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم، فلنحرص على الوقت ولنحافظ عليه ولنستفيد منه كله فيما ينفعنا في الدين والدنيا وفيما يعود على الأمة بالخير والسعادة والنماء الروحي والمادي.
Beware of wasting time or "killing time" as some call it.
ولنحذر من إضاعة الوقت أو قتله كما
يقول بعض، الذين يجلسون على اللهو واللعب ساعات طويلة من ليل أو نهار حول مائدة من
موائد الفرد أو رفقة الشطرنج أو لعبة الورق، أو غير ذلك من حرام، عابثين لاهين عن
ذكر الله وعن الصلاة وعن واجبات الدين والدنيا، فإذا سألتهم عن ذلك قالوا بصريح
العبارة: إنما نريد أن نقتل الوقت، وهم في الحقيقة يقتلون أنفسهم، واغتنموا فرصة
الفراغ فإنها نعمة يغفل عنها كثير من الناس ويجهلوا من قدرها ولا يقومون بحق
شكرها، فعن ابن عباس عن النبي
:
((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ)).
RUSH to good works BEFORE something gets in the way!
وسارعوا إلى الخيرات ولا تنهضوا إليها
في تثاقل وتكاسل، فقد أمر الله تعالى استباق الخيرات قبل أن تشغل عنها الشواغل أو
تعوق العوائق، فقال: ((وكل وجهة هو موليها فاستبقوا
الخيرات، أينما تكونوا يأتي بكم الله ))، ولا تؤجلوا الخير والطاعة إلى سن
الكبر، فقد كان
يأمر بالمبادرة إلى العمل قبل حلول
العوائق والفتن فيقول: ((هل تنتظرون إلا غنى مطغيا، أو
فقرا منسيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدجال فشر غائب
ينتظر، أو الساعة، فالساعة أدهى وأمر)).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين فيا فوز المستغفرين استغفروا الله، إن الله غفور رحيم.